السيد محمدحسين الطباطبائي
79
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
قوله سبحانه : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ بيّن سبحانه أوّلا أنّ الكتاب هدى للمتّقين ، ثمّ ظهر من السياق أنّ لهم اهتداءا فطريّا إجماليّا ، يتعقّبه اهتداء تفصيليّ إلهيّ ، وهو الذي يحصل لهم - ببيانه سبحانه لهم وجوه خيرهم من شرّهم ، بواسطة كتابه المبيّن - فيه صلاح معاشهم ومعادهم . فظهر أنّ لهم الاهتداء بسلامة فطرتهم ، والاهتداء كرامة من ربّهم ، وكان الجميع منه سبحانه ؛ إذ كلّ حسنة فمن اللّه ، فجمع بين الهدايتين ، فقال : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وقد قال سبحانه : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ « 1 » فذكر أنّ الهداية بانشراح الصدر وسعته ، وقال : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 2 » والشحّ : الضيقّ والبخل ؛ فتمّ بذلك أنّ هؤلاء أصحاب الفلاح ، فقال : فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . قوله سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . هؤلاء قوم ثبتوا على الكفر ، وتمكّن في قلوبهم ؛ ويدلّ عليه قوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ . . . والإتيان بالماضي المجرّد من « قد » . ويشعر تغيير السياق في قوله سبحانه : خَتَمَ اللَّهُ . . . - حيث نسب الختم إلى نفسه ، والغشاوة إليهم أنفسهم - بأنّ فيهم حجابا دون الحقّ في ذاتهم وأنفسهم ، وحجابا من اللّه عقيب كفرهم وفسوقهم ؛ فأعمالهم متوسّطة بين حجابين : من ذاتهم ومن اللّه تعالى ؛ وسيجيء تمام الكلام في قوله تعالى :
--> ( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 125 . ( 2 ) . الحشر ( 59 ) : 9 .